ابن قيم الجوزية

257

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

غيره ، وأنه الذي يقلب القلوب ، ويصرفها كيف يشاء . وأنه لا موفّق إلا من وفقه وأعانه ، ولا مخذول إلا من خذله وأهانه وتخلى عنه . وأن أصح القلوب وأسلمها وأقومها ، وأرقها وأصفاها ، وأشدها وألينها : من اتخذه وحده إلها ومعبودا . فكان أحب إليه من كل ما سواه ، وأخوف عنده من كل ما سواه ، وأرجى له من كل ما سواه . فتتقدم محبته في قلبه جميع المحابّ ، فتنساق المحابّ تبعا لها كما ينساق الجيش تبعا للسلطان . ويتقدم خوفه في قلبه جميع المخوفات ، فتنساق المخاوف كلها تبعا لخوفه . ويتقدم رجاؤه في قلبه جميع الرجاء ، فينساق كل رجاء تبعا لرجائه . فهذا علامة توحيد الإلهية في هذا القلب ، والباب الذي دخل إليه منه توحيد الربوبية ، أي باب توحيد الإلهية : هو توحيد الربوبية . فإن أول ما يتعلق القلب يتعلق بتوحيد الربوبية . ثم يرتقي إلى توحيد الإلهية ، كما يدعو اللّه سبحانه عباده في كتابه بهذا النوع من التوحيد إلى النوع الآخر . ويحتج عليهم به ، ويقررهم به . ثم يخبر أنهم ينقضونه بشركهم به في الإلهية . وفي هذا المشهد يتحقق له مقام ( إياك نعبد ) قال اللّه تعالى وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 87 ) [ الزّخرف : 87 ] أي فأين يصرفون عن شهادة أن لا إله إلا اللّه ، وعن عبادته وحده ، وهم يشهدون : أنه لا رب غيره ، ولا خالق سواه . وكذلك قوله تعالى : قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 84 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 85 ) [ المؤمنون : 84 ، 85 ] فتعلمون أنه إذا كان هو وحده مالك الأرض ومن فيها ، وخالقهم وربهم ومليكهم ، فهو وحده إلههم ومعبودهم . فكما لا رب لهم غيره ، فهكذا لا إله لهم سواه قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( 86 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ ( 87 ) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ [ المؤمنون : 86 ، 88 ] - الآيات ، وهكذا قوله في سورة النمل قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ( 59 ) أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ( 60 ) [ النّمل : 59 ، 60 ] - إلى آخر الآيات . يحتج عليهم بأن من فعل لهم هذا وحده ، فهو الإله لهم وحده . فإن كان معه رب فعل هذا فينبغي أن تعبدوه . وإن لم يكن معه رب فعل هذا فكيف تجعلون معه إلها آخر ؟ ولهذا كان الصحيح من القولين في تقدير الآية « أإله مع اللّه فعل هذا ؟ » حتى يتم الدليل . فلا بد من الجواب بلا . فإذا لم يكن معه إله فعل كفعله . فكيف تعبدون آلهة أخرى سواه ؟ فعلم أن إلهية ما سواه باطلة ، كما أن ربوبية ما سواه باطلة بإقراركم وشهادتكم . ومن قال : المعنى « هل مع اللّه إله آخر ؟ » من غير أن يكون المعنى « فعل هذا » فقوله ضعيف لوجهين : أحدهما : أنهم كانوا يقولون : مع اللّه آلهة أخرى . ولا ينكرون ذلك . الثاني : أنه لا يتم الدليل ، ولا يحصل إفحامهم وإقامة الحجة عليهم إلا بهذا التقدير أي فإذا كنتم تقولون : إنه ليس معه إله آخر فعل مثل فعله ، فكيف تجعلون معه إلها آخر لا يخلق شيئا وهو عاجز ؟ وهذا كقوله : أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ